سيد قطب

2052

في ظلال القرآن

إنها دعوة اللّه والتوجه إليه والاعتماد عليه وطلب عونه ورحمته وهداه . وما عداها باطل وما عداها ضائع وما عداها هباء . . ألا ترون حال الداعين لغيره من الشركاء ؟ انظروا هذا واحد منهم . ملهوف ظمآن يمد ذراعيه ويبسط كفيه . وفمه مفتوح يلهث بالدعاء . يطلب الماء ليبلغ فاه فلا يبلغه . وما هو ببالغه . بعد الجهد واللهفة والعناء . وكذلك دعاء الكافرين باللّه الواحد حين يدعون الشركاء : « وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ » . وفي أي جو لا يبلغ هذا الداعي اللاهف اللاهث قطرة من ماء ؟ في جو البرق والرعد والسحاب الثقال ، التي تجري هناك بأمر اللّه الواحد القهار ! وفي الوقت الذي يتخذ هؤلاء الخائبون آلهة من دون اللّه ، ويتوجهون إليهم بالرجاء والدعاء ، إذا كل من في الكون يعنو للّه ، وكلهم محكومون بإرادته ، خاضعون لسنته ، مسيرون وفق ناموسه . المؤمن منهم يخضع طاعة وإيمانا ، وغير المؤمن يخضع أخذا وإرغاما ، فما يملك أحد أن يخرج على إرادة اللّه ، ولا أن يعيش خارج ناموسه الذي سنه للحياة : « وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ، وَظِلالُهُمْ ، بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ » . . ولأن الجو جو عبادة ودعاء ، فإن السياق يعبر عن الخضوع لمشيئة اللّه بالسجود وهو أقصى رمز للعبودية ، ثم يضم إلى شخوص من في السماوات والأرض ، ظلالهم كذلك . ظلالهم بالغدو في الصباح ، وبالآصال عند انكسار الأشعة وامتداد الظلال . يضم هذه الظلال إلى الشخوص في السجود والخضوع والامتثال . وهي في ذاتها حقيقة ، فالظلال تبع للشخوص . ثم تلقي هذه الحقيقة ظلها على المشهد ، فإذا هو عجب . وإذا السجود مزدوج : شخوص وظلال ! وإذا الكون كله بما فيه من شخوص وظلال جاثية خاضعة عن طريق الإيمان أو غير الإيمان سواء . كلها تسجد للّه . . وأولئك الخائبون يدعون آلهة من دون اللّه ! وفي جو هذا المشهد العجيب يتوجه إليهم بالأسئلة التهكمية . فما يجدر بالمشرك باللّه في مثل هذا الجو إلا التهكم ، وما يستحق إلا السخرية والاستهزاء : « قُلْ : مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ؟ قُلِ : اللَّهُ . قُلْ : أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا ؟ قُلْ : هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ؟ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ ؟ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ؟ قُلِ : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ » . . سلهم - وكل من في السماوات والأرض مأخوذ بقدرة اللّه وإرادته - رضي أم كره - : « مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ؟ » . . وهو سؤال لا ليجيبوا عنه ، فقد أجاب السياق من قبل . إنما ليسمعوا الجواب ملفوظا وقد رأوه مشهودا : « قل : اللّه » . . ثم سلهم : « أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا ؟ » . . سلهم للاستنكار فهم بالفعل قد اتخذوا أولئك الأولياء . سلهم والقضية واضحة ، والفرق بين الحق والباطل واضح : وضوح الفارق بين الأعمى والبصير ، وبين الظلمات والنور . وفي ذكر الأعمى والبصير إشارة إليهم وإلى المؤمنين ؛ فالعمى وحده هو الذي يصدهم عن رؤية الحق الواضح الجاهر الذي يحس بأثره كل من في السماوات والأرض . وفي ذكر الظلمات والنور إشارة إلى حالهم وحال المؤمنين ، فالظلمات التي تحجب الرؤية هي التي تلفهم وتكفهم عن الإدراك للحق المبين . أم ترى هؤلاء الشركاء الذين اتخذوهم من دون اللّه ، خلقوا مخلوقات كالتي خلقها اللّه . فتشابهت على القوم هذه المخلوقات وتلك ، فلم يدروا أيها من خلق اللّه وأيها من خلق الشركاء ؟ فهم معذورون إذن إن